إبراهيم عيسي يكتب: ثورة الدكتور أحمد عرابى

السبت، 8 أكتوبر، 2011 | 1:13 م

ابراهيم عيسي
إبراهيم عيسي يكتب في التحرير: ثورة الدكتور أحمد عرابى

يصل الدكتور أحمد عرابى إلى مطار القاهرة، وفى صالة كبار الزوار يستقبله مندوبان من رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية ليرحبا بعودته إلى بلده مصر بعد غياب 27 عاما مع عشرات المصورين والصحفيين ومندوبى المحطات الفضائية.

الدكتور أحمد عرابى عمل مستشارا فى محكمة العدل الدولية، ثم شغل منصب أحد قضاة محكمة جرائم الحرب التى حاكمت مجرمى مذابح رواندا وعددا من القادة الصرب المتهمين بارتكاب جرائم إبادة ضد مسلمى البوسنة، والتى صدرت فيها أحكام بالإعدام.

كان الدكتور عرابى نموذجا مشرفا لمصر فى العالم أجمع، ورغم أنه ترك مصر منذ أكثر من ربع القرن قضاها فى مكتب فض المنازعات بالأمم المتحدة ثم محكمة العدل ثم محكمة جرائم الحرب، فإنه كان يزور بلده بانتظام ولا يزال يحتفظ ببعض الذكريات القديمة مع أصدقاء دفعته فى كلية الحقوق ووزارة الخارجية.

كان الدكتور عرابى يقيم خلال كل هذه السنوات بين سويسرا وهولندا مع أسرته، وقد توفيت زوجته مؤخرا، بينما تزوج ابنه بامرأة هولندية، ويعيشان هناك مع حفيده، بينما ابنته الصغرى تعمل فى بنك شهير مقره فى جنيف. يرجع الدكتور عرابى بعد انتهاء خدمته، ويقرر أن يقضى ما تبقى من عمره فى بلده مصر.. عاد الدكتور عرابى إلى شقته القديمة فى العجوزة وقد تغير الحى بالنسبة له تماما، وفى اليوم التالى يتم استقباله فى رئاسة الجمهورية لمنحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى فى احتفال مهيب، بعد خروجه يكتشف نفسه وحيدا مع الوسام فى منزله بلا أقارب ولا أصدقاء، حيث كان ابنا وحيدا وقد توفى والده منذ سنوات، وتقريبا انقطعت علاقته مع أهله فى قريته القديمة.

يشعر بغربة ما فيبحث فى دفتر تليفوناته عن أصدقائه، فيجد بعضهم مات والآخر أرقامه تغيرت، ومن سافر أو هاجر.. يستقبل الدكتور عرابى فى شقته مجموعة من الفلاحين من أقاربه فى مسقط رأسه، التى لم يزرها خلال كل هذه السنوات، ويستعيد معهم بعض أيامه وذكرياته ويشعر براحة زمن الطفولة والصبا. يفاجئه هؤلاء الأقارب الفلاحون، ومعظمهم موظفون وأصحاب أعمال، حيث يعرضون عليه العودة إلى القرية وتولى منصب العمدة، وهو المنصب الذى خلا بوفاة ابن عمه منذ عام، وهناك خلافات داخل العائلة على خليفته، فيكون اختيار شخص مرموق وعالمى من العائلة حلا لتجنب الصراع، وفخرا للقرية وللعائلة مع ضمان فورى لموافقة الداخلية عليه. يجد الدكتور عرابى نفسه أمام اختيار مهم فى حياته، فهو متقاعد الآن ومطلوب منه كتابة مذكراته فى كتاب تعاقد مع أشهر دور النشر العالمية على إصداره فى نهاية العام، ولم يبدأ بعد فى كتابته، ثم هو وحيد، بعيدا عن ابنه وابنته اللذين اعتذرا عن عدم الحضور للاطمئنان عليه بعد أن تكلما معه على النت صوتا وصورة، ثم هو يحتاج إلى الهدوء فى الريف والتفرغ للتأمل والعودة إلى جذوره بعدما قضى سنين لا يعرف إلا الريف الهولندى والإنجليزى، ثم هو يعرف أن منصب العمدة بات منصبا شرفيا ما دام فى قريته نقطة بوليس وشرطة.. من هنا يقرر الذهاب إلى قريته التى تبعد مئة كيلومتر فقط عن القاهرة.

بمجرد دخوله بيته الريفى الذى يشبه القصر القديم، يسمع طلقات الرصاص ويشهد جريمة قتل ضابط شرطة فى سيارته، بعد أن أطلق عليه شابان الرصاص من على موتوسيكل.

نعرف أن الضابط من ضباط مكافحة المخدرات، وأن هذه القرية تحفها مزارع الموز، أشهر أماكن زراعة وتخزين المخدرات، ويتحكم فى القرية منذ عشرين عاما تجار المخدرات الذين يعمرون البلد ويحرسونها فعلا، وينفقون على فقرائها، ويشترون ذمم رجالها، ويقتلون أى ضابط يفكر فى مطاردة أحدهم، بل إن نائب البرلمان عن الدائرة من عائلة تجار المخدرات، فضلا عن أن هؤلاء التجار أصحاب شركات ومحلات، وتجارة يغسلون بها أموالهم ويحفظون وجوههم أمام الشرطة والدولة.

ليست هذه هى المشكلة الوحيدة، فالدكتور عرابى يكتشف بالوقت أن عشرات من بيوت هذه القرية يحفر تحتها بحثا عن الآثار، مما يتسبب فى انهيارات أرضية وسقوط بيوت فوق ضحايا، وهناك أيضا جماعات من السلفيين الذين يسيطرون على جوامع البلد، وينشرون فهما متطرفا وقشريا للدين، وينتشرون فى كل مكان. وسط هذا كله هناك البيئة المنهارة للبلد، وسوء التعليم، ووضاعة الرعاية الصحية، كل يوم يكتشف أحمد عرابى جديدا مؤلما فى بلده، وكأنه ليس هو الذى تركه فى طفولته أبدا. يصبح عرابى فى صراع وهو يعيش كل لحظة هذه الأحداث، إما الرحيل وتوديع كل شىء والسفر إلى هولندا، حيث يعمل مستشارا لمنظمة دولية، ويكتب مذكراته، وإما يبقى فى البلد لينظفه ويحارب الفساد فيه. أعياه اللجوء إلى المسؤولين، وجرب مناشدة الأجهزة وفشل مرة تلو الأخرى.

إذن هل الرحيل أم البقاء؟

ما الفائدة إذا كان أحمد عرابى يحل مشكلات العالم ويحاكم مجرمى الحرب ضد الإنسانية، بينما يخشى أو يتراجع عن حل مشكلات بلده، ومحاربة مجرمى قريته؟

هنا يقرر الدكتور أحمد عرابى البقاء، وهو يركب حصانه يوميا فى القرية، ويبدأ خطوات ثورة أحمد عرابى..

هذه القصة خيالية رغم أن كل تفاصيلها حقيقية!
المصدر: جورنال أون لاين