خالد منتصر يكتب: التصالح مع القبح

السبت، 3 سبتمبر، 2011 | 8:59 م

خالد منتصر
 خالد منتصر يكتب في المصري اليوم : التصالح مع القبح

لم أجد فرقاً بين جبال القمامة التى شاهدتها تغطى شارع جامعة الدول فى العيد وتسد مسامه وتخنق رئتيه وتنشر رائحة العفن والقذارة فى أرجائه، وبين ما حدث من تمثيل لجثث لصوص بولاق الدكرور بشكل بشع يتجاوز أى عرف وأى إنسانية، ويدوس على القانون بالأحذية ويعيدنا لقانون الغاب ويذكرنا بعصور آكلى لحوم البشر! ما يجمع جبال القمامة والتمثيل بالجثث هو التصالح مع القبح.
 
أطنان القمامة المختلطة برائحة الأمونيا المنبعثة من بول رواد شارع جامعة الدول أثناء احتفالية العيد ليست هى الكارثة فقط، ولكن الكارثة الكبرى تعوّد العين والألفة مع المشهد وانعدام الدهشة وموت الانزعاج أمام هذه الزبالة التى تغطى وجه أرقى حى فى الجيزة! إنه تصالح مع القبح، معاهدة صلح وميثاق قبول ووثيقة رضا تجاه الدمامة والنفايات والعفن.

تجريد لص توك توك بولاق الدكرور من ملابسه وتقييده بحبل فى موتوسيكل وسحله فى الشوارع حتى الموت ثم التخلص من جثته أسفل الطريق الدائرى وسط التصفيق والتهليل، ثم قطع يد اللص الثانى بالسكين، ثم تفجير عين الثالث.. كل هذا يعنى أيضاً تصالحاً مع القبح. فى جامعة الدول، القبح مشهد مادى مرسوم بنفايات البنى آدمين، أما فى حادثة بولاق فالقبح معنوى يسكن الضمائر ويخاصم الإنسانية، فاللص يحاكمه القانون ويحكم عليه القضاة، ولكن أن يحكم عليه الشارع بهذه الطريقة الهمجية،

فهذا هو قمة الفوضى والتسيب واللاإنسانية تحت شعار القصاص، وقد توهجت فوضى القصاص تلك واشتعلت حُمى التمثيل بالجثث مع بلطجى دسوق الذى فصل الأهالى رأسه وذراعيه ولفوا البلد بجثته على التروسيكل وسط الزغاريد، وتسابق على تصويره الشباب بالموبايلات ثم ألقوا بجثته أمام قسم الشرطة!!

 بالطبع لم يحاكم أو يُقبض على من مثَّل بالجثة وقطع وسلخ وشفّى بلطجى دسوق أو لص بولاق!! لسبب بسيط، من وجهة نظر المجتمع الذى تصالح مع القبح، وهو أن المجرم يستاهل!!

وإذا فتحنا موضوع السلخ والتقطيع تحت لافتة «يستاهل» وبعيداً عن معايير وأدوات القانون فنحن إلى الجحيم سائرون، فالمجرم يستاهل ولكن بالقانون وأحكامه العادلة لا بالغريزة وانفعالاتها الهائجة.

ما يحزن فى كل هذه القصص هو أننا طوال تاريخنا لم نكن بمثل هذه الشراسة والقسوة، ولم نكن نستلذ بهذا الشكل الجماعى السادى بمناظر التمثيل بالجثث بهذه البشاعة، هناك بين حين وآخر كانت حوادث فردية من مرضى نفسيين، ولكن أن تنطلق زغاريد وتضاء فلاشات كاميرات موبايلات أثناء السحل أو البتر أو قطع الرأس فهذه هى الكارثة الكبرى، والمرض الاجتماعى الجديد الذى يخرب روح مصر.

القمامة عندما تنتقل من الشارع إلى ضمير وروح ساكن الشارع فإنه سيتصالح ويأتلف ويندمج مع القبح، فيسرى القبح فى نخاعه وكرات دمه ونهايات أعصابه، فتصيبه البلادة إزاء العنف والقسوة، وهنا يغتال الجمال وينتحر الضمير.
رابط المقال: التصالح مع القبح
المصدر: جورنال أون لاين